المعهد يحتفي بأسبوع الوئام في المغطس وأهل الكهف

بمناسبة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، نفذ المعهد الملكي للدراسات الدينية، وعلى مدى يومين، فعالية "وئامية" شارك فيها شباب من جامعات أردنية مختلفة من المسلمين والمسيحيين والبهائيين. وهدفت الفعالية إلى تعزيز التفاعل الإيجابي وقبول الآخر وفهمه بين المشاركين.


ففي اليوم الأول زار المشاركون موقع المغطس الذي يقع على بُعد تسعة كيلو مترات شمال البحر الميت، والذي تعمد فيه المسيح على يد يوحنا المعمدان حسب المعتقدات المسيحية. وهناك تعرف الطلبة إلى تاريخ الموقع وأهميته الدينية. كما زاروا عدداً من الكنائس المقامة في المكان.
وفي كنيسة "بيت عنيا عبر الأردن اللوثرية" شارك الطلبة في جلسة حوارية بعنوان "المسيحية في الأردن من منظور إسلامي ومسيحي"، تحدث فيها الدكتور عامر الحافي – المستشار الأكاديمي للمعهد الملكي للدراسات الدينية والقس سامر عازر – رئيس المجمع الكنسي اللوثري في الأردن وفلسطين.
واستهل القس عازر الجلسة الحوارية بالقول أننا ننادي دائماً بأن نتعرف إلى بعضنا البعض في مواقعنا، ولا شك أن الأردن جزء من الأراضي المقدسة وجغرافية الأديان في المنطقة. وأضاف أن الأردن يحمل رسالة سامية وهو بلد الرسالات التي "تعيش في ظلال الهاشميين وهم الخيمة الكبيرة لجميع الأردنيين، مسلمين ومسيحيين". كما تحدث عن تاريخ بناء الكنيسة اللوثرية في موقع المغطس عام 2008، حيث تم تدشينها عام 2014 تحت الرعاية الملكية السامية.
وأكد القس عازر أن موقع المغطس مهم جداً ويعتبر انطلاقة رسالة المسيح العالمية. فالمسيحية في الأردن ليست غريبة وليست حديثة العهد. وعندما أراد المسيحيون الأوائل في القرن الأول الهرب من اضطهاد اليهود والرومان، كان أول مكان لجأوا إليه هو شرق الأردن في طبقة فحل. وقال أن المسيحيين العرب ليسوا مستوردين وليسوا بقايا الحملات الصليبية التي شهدتها المنطقة؛ مشيراً إلى أن الهوية الطائفية الضيقة هي الخطر الذي يهدد عالمنا العربي، وأن "التراث الذي ورثناه رائع جداً ونعيش حالة فريدة من التعايش في الأردن مع اختلاف العقائد. ولا يمكن أن يكون التراث الديني الإنساني ضد العيش وضد الإنسان وضد المنطق".
وشدد القس عازر أن "الجوهر الأساسي في المسيحية لا يختلف عنه في اليهودية والإسلام. غير أن المشكلة هي في أن كل شخص أصبح يعطي آراء وفتاوى دون الرجوع إلى المراجع الدينية العلمية. نحترم ونجلّ الاختلافات العقائدية التي نضعها بين أيدي العلماء، فلكل دين خصوصيته، وهذه الاختلافات لا تفسد للود قضية".
من ناحيته قال الدكتور الحافي أن الفرد يعكس همومه ومشاكله حتى في الموضوع الديني. "فأنت عندما تدخل إلى داخل فكرة دينية لتناقشها لا يمكنك أن تخلع عنك نفسك. فأهم شيء نفهمه هو أن الموضوع الديني، وكذلك الفن يعكس إنسانيتنا وهمومنا وأخلاقنا"؛ مؤكداً الدكتور الحافي أنه "علينا أن نعترف أن الدين ليس طريقة واحدة في التفكير، والتدين لا يعني أن الإنسان لا يخطىء".
وقال الدكتور الحافي أن "ثمة متدينون يعشقون التصورات الذهنية ويتعاملون مع الآخرين استناداً إليها. والله خلقنا مختلفين لأننا لا نستطيع أن نستثمر ونتعارف إلا من خلال الاختلاف والشعور به. والمسيحية للمسلم هي جزء من الرسالات التي أنزلها الله على خلقه".
وفي اليوم الثاني للفعالية زار الطلبة المشاركون مقام أهل الكهف، في قرية الرجيب على بعد 7 كيلو متر شرق عمّان، واستمعوا إلى شرح عن الموقع وتاريخه وقصته. كما شاركوا في جلسة حوارية بعنوان "الأولياء والقديسون في الأردن"، تحدثت فيها الدكتورة رينيه حتر، رئيسة قسم الدراسات الدولية في المعهد الملكي للدراسات الدينية، والدكتورة نداء زقزوق، مساعد عميد كلية الشريعة في الجامعة الأردنية.
وتحدثت الدكتورة حتر حول قصة أهل الكهف من وجهة نظر مسيحية حسب الروايات المسيحية المختلفة، وبالأخص في التراثين السرياني والقبطي؛ متطرقة إلى تاريخ اللغة السريانية وعلاقتها بالكنائس المسيحية الأولى في منطقة الشام وتركيا وأجزاء من العراق، وكذلك اللغة القبطية وعلاقتها بالمسيحية في مصر.
وقالت الدكتورة حتر أننا نربط القديسين في المسيحية بفكرة الشفاعة. والقديسون أشخاص أمضوا حياتهم في التدين والأعمال الصالحة. أما مبدأ الشفاعة فيتمحور حول كون القديس صاحب المكانة الخاصة مثالاً يُحتذى في الصلاة المسيحية.
وأضافت الدكتورة حتر أنه "في منطقتنا كانت تسود اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام، ومن المنطقي أن تتداخل ثقافات المنطقة، وهذا جعل مدلولين للقديسين: المدلول الديني والمدلول الشعبي. لهذا كان ثمة عادات دينية لا تعود إلى الدين وإنما ترجع إلى أصول شعبية موروثة"، مثل القديس الخضر "جورجيوس" وأهميته في الموروثات الدينية والشعبية لدى المسلمين والمسيحيين.
وتحدثت الدكتورة حتر للمشاركين حول الموسيقى الروحية وأهميتها في التناغم وتهذيب النفس والتفكير في الآخر.
بدورها، قالت الدكتورة نداء زقزوق أنه لا يجوز لأي شخص أن ينفي عن الآخر علاقته بالله، خاصة عندما تكون هذه العلاقة أكثر فاعلية وعمقاً. ومطلوب من المسلم احترام إيمان الآخرين بالله وعدم التشكيك فيهم وعدم تكفيرهم، لأن هذا يؤثر على علاقة المسلم نفسه بالله.
وأضافت الدكتورة زقزوق أن القرآن الكريم مليء بالقصص، أي أنه كلام عن مجموعات من الناس المؤمنين الذين عاشوا في حقبة زمنية معينة حالة إيمانية. وهذا يعني أن الإنسان أياً كان بإمكانه أن يصنع موقفاً تاريخياً بإيمانه وصدقه.
وقالت الدكتورة زقزوق أن القرآن الكريم علمنا أن كل من مارس الإيمان وناضل من أجله فهو مقدّس.
كما أدارت الدكتورة حتر جلسة تفاعلية عبّر فيها الطلبة عن أحاسيسهم وتصوراتهم التي عاشوها على مدى هذين اليومين. وقاموا بتقديم اقتراحاتهم لتعميق وتنويع مثل هذه الفعاليات التي تجذر وتعزز التقارب بين أبناء المجتمع.
وفي نهاية الفعالية قام الدكتور عامر الحافي بتوزيع الشهادات على المشاركين.
ويذكر أنه تم طرح مبادرة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان لأول مرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيلول 2010 من قبل صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين. وبعد أقل من شهر، وبالتحديد في 20 تشرين الأول 2010، تم تبني المبادرة بالإجماع من قبل الأمم المتحدة، ليصبح أول أسبوع من شهر شباط كل عام أسبوع الوئام العالمي بين الأديان.