مؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني: ترجيع للحديث

ربّما لا نجاوز الصواب حين نرجع إلى الأصل ونسأل أنفسنا عن المعاني الكبرى التي أنشأها الإسلام، وكيف كانت المعالجة الإلهية جذرية وأصولية، فعالج الإسلام القضايا الحياتية مثلما عالج القضايا الروحية.

فهل كانت الزكاة إلا معالجة ربّانية لقضايا الفقر، وأمرا إلهيا بالتكافل الاجتماعيّ، وتأمينا للبشر في أهم حاجاتهم الأمنية التي يوجزها قوله تعالى “الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ” -صدق الله العظيم- (سورة قريش)، فهما الحاجتان اللتان ما زالتا تتربّعان على أعلى سلّم الأولويات في حاجات بني البشر. لكن الإسلام السليم الحنيف يجمع في مقاصده الدين والدنيا، ويعالج عبر الزمن الضرورة المؤسسية لخدمة معاني الكرامة الإنسانية ومضامينها.

وحين نستعرض أركان الإسلام، فقد جعل الشارع الحكيم الزكاة أحد الأركان، أي إن الإسلام لا يقوم من دونها، ذلك أن اقتصاد الدولة والأفراد لا يستقيم في التصور الإسلاميّ من دون إيتاء الزكاة، حتى يتحقق عنصر الاستدامة في الإحسان، وحتى يكون التكافل طريقة حياة للمجتمع.

لا فكرة فردية تنبني -وتقتصر- على كرم الأفراد ومبادراتهم، ولتكتمل الدورة الاقتصادية وتستمر بمحتواها الإنساني من دون تناسي فئة من فئات المستفيدين من الزكاة أو الجَور عليهم، فكانت الزكاة حصّةً تُؤخذ كلَّ حوْلٍ (سَنَة) من المال المُدّخر، ومن المال المُكتَسَب الذي يملكه المسلم والقابل للزيادة إذا استحقت عليه الزكاة -باستيفاء شروطها-، ويتوخّى من إخراج الزكاة أن يتطهَّر هذا المال بالعطاء الأخلاقي، وأن يتطهر المجتمع من آفات اجتماعية تنشأ عن الحرمان المتعدد، يدلك على هذا أن الله تعالى حين ذمّ المشركين قال  “وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)” –صدق الله العظيم– (سورة فصلت).

فالامتناع عن الزكاة سبب للويل، وربما يأتي هذا الويل في الدنيا على هذه الأمة، في شكل حقد طبقي يولّد صراعا اجتماعيا، أو تحديات إنسانية واجتماعية تنشأ في بيئة محرومة، ولذا كان إخراج الزكاة ركنا من أركان التدين والإيمان الحقيقي.

إنَّ الزكاة حرب على الفقر، و”سبيل لكفاية الفقراءِ سؤال الأغنياء”، وليست كفاف يومٍ، أو مؤونة مؤقتة، وهي حقّ للفقراء في أموال القادرين.

وظلّت مصادر التشريع توضح مصادر الزكاة مستندة إلى قول الحق عزَّ وجلّ “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” –صدق الله العظيم– (سورة التوبة). ولمّا كانت المجتمعات تتباين في قدرتها المالية تماما كالأفراد، فإن مناداتنا بمؤسسة عالمية للزكاة والتكافل الإنساني تجيء للمناقلة في الفائدة بين المجتمعات الغنيّة والفقيرة، وفي ذلك توجيه أرشدُ لمنفعة الصالح العام، وتحقيق أبلغ لمشروعية الزكاة، فتُصرَف للأحْوجِ إليها، حتى لو تجاوزت الحدود أو الدول.

وبناء على ما سبق، لا بدّ لنا من التفكير في مشروعات تكمّل المعرّفة بأهداف الأمم المتحدة للاستدامة، وتتوافق مع أهداف ومقاصد الزكاة نفسها، بغية بلوغ العام 2030 (1451هـ)، وحتى تكون المشروعات التي تتطلع إليها صناديق الزكاة على نوعين: أحدهما يملكه صندوق الزكاة الإنساني العالمي المرجو إنشاؤه، ويكون وسيلة لنماء الأموال التي دفعها دافعو الزكاة من جانب، وأما النوع الثاني فلنماء حصة الأفراد من خلال مشروعات تخصّهم، لتؤمّن لهم ما يكفيهم سؤال الزكاة، ليقرروا مصيرهم الإنساني، بل ليتحوّلوا إلى دافعين للزكاة، في وقت أصبح فيه مفهوم الفقر إلى الله تعالى فقرا إيمانيا وروحيا لا فقرا ماديا نفعيا، وحتى تكون منفعة النوعين عائدة بالضرورة على مصارف الزكاة المعروفة.

ولا بدّ من الانتباه إلى تقليص الازدواج بين الزكاة والضرائب، فتصبح الأموال التي تُخرَج زكاةً تُعفي دافعها بمقدارها من الضرائب، وإنَّ الطريقة التي يمكن لدافع الزكاة أن يثبتها هي أن يدفعها إلى مؤسسة عالمية أو إقليميّة أو وطنية، لها هياكلها، وآلياتها في الإنفاق، وشفافيتها، ووضوح دخلها ومدفوعاتها.

إنَّ الكفاية المنشودة، وتنظيم الإنفاق في أموال الزكاة، على المستوى العالميّ، هي ما نتطلّع إليه من هذه المؤسسة العالمية، وكذلك العمل على إبطال الازدواج بين الزكاة والضرائب من جهة، وإبطال الازدواج والتكرار وعدم التوجيه في إنفاق أموال الزكاة، من جهة أخرى، إذ يمكن أن يحصل مستحقّ الزكاة على أضعاف حصّته أو حصّة أمثاله، بسبب قدرته على الوصول إلى الجهات الدافعة، أو قدرتها على الوصول إليه.

ولا بد من إيجاد معايير لجودة أداء صناديق الزكاة ومؤسساتها، لتضاهي بعض المؤسسات الدولية الناجحة والمتميّزة، التي تستخدم صفة (إسلامية) لأعمالها المصرفية، وللصكوك وللإجارة مثلا، وتحاكي فاعليتها في المجتمعات.

فمن باب الأولوية الإنسانية الكبرى أن يعلي العالم من حق احترام الآخر في التزام قواعد الزكاة والتكافل الإنساني، بدلا من مسرحية العبث والبغض والتهميش لثلثي سكان العالم. كما لا بدّ من الالتفات إلى جوانب تنمويّة تقوم بها أموال الزكاة، فتحقق مشروعية الزكاة، كما أراد لها الدين الحنيف، وتتحقق أوجه الأمن الإنسانيّ للأفراد والجماعات البشرية في المجتمعات، وتستكمل حاجات قطاعات التنمية في المجتمعات.

كما لا بد من استثمار معطيات التكنولوجيا الحديثة وإمكاناتها لتنظيم الإنفاق، ولتعظيم الاستفادة منه، ولتوجيهه إلى أوسع شريحة من المستفيدين، وقد اقترب عدد الفقراء فقرا مدقعا في العالم من المليار شخص، ينحصر نصفهم تقريبا في خمس دول، ويعيش ما يزيد على 85 بالمئة من فقراء العالم في جنوب آسيا، وجنوب الصحراء في أفريقيا، ولكنّ آمال العالم في تجاوز هذه المعدلات المرعبة من الفقر تبدّدت على صخرة النزاعات المسلّحة التي اجتاحت مناطق إضافية من العالم.

ولا بدّ من أن نتذكّر أن الأخبار التي وردتنا عن القضاء على الفقر أيام الخليفة عمر بن عبدالعزيز كانت نتيجة طبيعية لجودة التحصيل، والعطاء، والإنفاق. وهو بالدرس العلميّ قابل للتحقُّق من جديد في مجتمعاتنا في كل العصور.

وربّما كان ضيق الحال، وسوء الظروف الاقتصادية والأمنية في كثير من المناطق والبلدان في هذا العالم داعيا لنا لاستنهاض الهِمم النبيلة، وتكثيف الجهود، وتنظيمها للخروج على العالم بتجربة ناجعة في التكاتف بين الإخوة في الدين وفي الإنسانية. ولا بدّ من أن نظلّ محكومين بالأمل، لأننا سنفقد بفقدانه فرصا للفقراء ليعيشوا بكرامة، وفرصاً لنا لنشعر بأننا نقدّس الإنسانية كما أراد لنا الله.

ونحن ندرك تعاظم ظاهرة الفقر، التي فردت مؤخراً أجنحتها السوداء على شرائح جديدة ممن كانوا بمنأى عنها. والله من وراء القصد.