عمّان – مجلس
الحسن
قال سمو
الأمير الحسن بن طلال إننا نواجه
اليوم خطر ضياع تراثٍ ثمين جداً
هو تراث الإيمان المشترك بما
يتضمنه من جميع التعبيرات الروحية
والفكرية والثقافية التي تواصلت
عبر أكثر من ألفي سنة من تاريخ
البشرية. فإذا كان لدينا الأمل في
الوصول إلى ثقافة للسلام، علينا
أن ننتقل من ثقافة البقاء والخلاص
إلى ثقافة المشاركة على صعيد
العالم.
وأضاف سموه،
خلال رعايته حفل إطلاق الشبكة
الإلكترونية للتفاهم العربي
الغربي يوم الخميس (5-6-2008) في
الجمعية العلمية الملكية، أن
تقنيات المعلومات والاتصالات هي
الأدوات الأكثر فعالية لإحداث
تغيير في مجال التعليم والحراك
الاجتماعي واستخدام المصادر. فهي
أداة مهمة للتنمية، وليست ثمرة من
ثمار التنمية. إنها تملك إمكانيات
تعزيز حياة المليارات من البشر،
وتقوية التنمية المستدامة وتعزيز
الكرامة الإنسانية. كما أنها توفر
إمكانية تحقيق التعليم والعناية
الصحية المتميزة والتخفيف من
الفقر.
وهنأ الأمير
الحسن مركز تقارب الثقافات
والترجمة على إنجازه تقارير
"العرب والغرب" التي تضمّنت
مبدئياً عشرين ألف مقالة، والتي
أدت إلى العمل على مشروع الشبكة
الإلكترونية للتفاهم العربي
الغربي. مضيفاً أنه سعيد لكون هذا
المشروع يتعلق بالسياق العربي -
الغربي، فهذا بدوره سوف يساهم في
عدم الوقوع في شرك التصوّر النمطي
للعرب والمسلمين.
وأشار سموه
إلى أنه في عالم اليوم الذي يتصف
بالعولمة فإن الناس ينشأون ضمن
ثقافة التواريخ المشتركة،
والهويات المتعددة والانتماءات
المختلفة وضمن تعدد منظومات القيم
وتصادمها.
وقال سموه أن
التحدي الكبير من أجل الوصول إلى
إنسانية متسلحة بالمعلومات هو
ضمان حماية تكنولوجيا المعلومات
بوصفها "أسلحة البناء الشامل
والتعليم والإعمار". مشيراً إلى
أن السياسيات الدولية لثورة
تكنولوجيا المعلومات يمكن تصنيفها
في أربع فئات: المشاركة التي تعني
ظهور منابر جديدة تقوم بتمكين
العديد من إنشاء قنوات للتواصل
وإحداث التأثير؛ والشرعية التي
تتمثل في التأثير على المحسوبية
الديمقراطية والهويات؛ والأمن
الذي يتمثل في وجود تعريفات جديدة
لمصالح الدولة وقواعد سلطتها؛
والحاكمية التي تتمثل في سيطرة
الدولة المركزية على آلية نشر
المعلومات.
وأضاف الأمير
الحسن أنه إذا أردنا تطوير حاكمية
عالمية إيجابية وفاعلة فعلينا
التركيز على القواسم العالمية
إقليمياً ودولياً. فهذه القواسم،
التي تشكل قطاعاً ثالثاً لا هو
حكومي ولا خاص، تبرز في تقاطع
المجتمع والطبيعة، وتقوم على أساس
تعاوننا وإرادتنا في البقاء،
وتتجاوز الحدود السياسية، وتقوّي
في الوقت ذاته واجب الدولة في
حماية مواطنيها. كما أنها تعكس
الترابط بين جميع القضايا وجميع
المجموعات، وتنبع من وحدة
الإنسانية. إذ إنها ليست مُلْكاً
لأحد، وبالتالي فهي مُلكٌ للجميع،
ومتوارثة بين الأجيال، ومتأصلة في
القدرات البشرية والثقافية
الكامنة، إلى جانب أنها تعبّر عن
التنوع والأمل والثقة، وتستدعي
المشاركة والحوار. كما أنها تعيد
تعريف التوازن بين الحرية
والمسؤولية، وتعكس المُلكية
المشتركة، والإدارة وتوزيع
الموارد.
ودعا الأمير
الحسن إلى التركيز على "الذكاء
الجمعي"، فـ "الذكاء الفردي" لم
يعد وحده كافياً في المجالات
الاقتصادية والسياسية والعلمية،
إذ برزت إلى الوجود حاجة ملحّة
للتركيز على الذكاء الجمعي الذي
يقتضي الانتقال من "ذكاء الفرد"
إلى "ذكاء المجتمع بأسره"، وهو
انتقال يفرضه التحول العالمي من
التركيبة الطبيعية للبشر نحو
التركيبة الثقافية المكتسبة؛
مؤكداً ضرورة تطوير مركز للذكاء
الجمعي يقود إلى "الحكمة
الجمعية".
وقال سموه
أننا نحتاج، علاوة على الحوار مع
الآخر، إلى حوار فيما بين العرب
والمسلمين أنفسهم حتى يتم التوصل
إلى أرضية ثابتة للتواصل والتفاعل
مع معطيات العصر؛ مشيراً إلى أن
الهدف الأساسي لهذه الحوارات
جميعها يجب أن ينصب على تعزيز
الكرامة الإنسانية، ومساعدة
الفقراء والجياع في العالم، وهذا
لا يمكن أن يتم دون وجود قاعدة
معلوماتية ومعرفية شاملة.
كما أكّد سموه
ضرورة التعاون والشراكة المعرفية
المتينة بين وسائل الإعلام وكُتاب
النص من المختصين والأكاديميين في
ما يتعلق بجميع القضايا الأساسية
التي تمس حياة البشرية جمعاء، من
أجل الوصول إلى آليات مستدامة
تخدم الصالح العام، وتخلق إعلاماً
غير منحاز وغير طائفي وتحتفي
بالحريات المدنية وبالحياة
الإنسانية وقدسيتها؛ مشيراً إلى
أننا إذا أردنا أن نُحدث فرقاً
ملموساً، من حيث استخدام الشبكة
الإلكترونية، فعلينا أن نفكر في
الطرق التي تكفل لنا إنتاج قدرة
على تفادي الأزمات، والتركيز على
القيم والمعايير المشتركة واحترام
خصوصياتنا وتقاليدنا جميعاً،
وإعطاء دور أكبر للمواطنين بحيث
يتم توسيع الحوار ليشمل مختلف
أطياف المجتمع.
وشدد الأمير
الحسن على ضرورة أخذ الأمن
الثقافي بالحسبان. فالأمن الثقافي
الذي يهمل عادة، معزّز للأمن
الإنساني، ويحدد المنصة التي من
خلالها يجب تعريف كلّ الأشكال
الأخرى للأمن وفهمها. وهذه حقيقة
أصبحت ظاهرةً جداً في العالمين
النامي والمتقدّم على حد سواء.
كما أن الأمن الدائم للفرد والأمة
يستوجب نظرة عملية تفهم الثقافة
بوصفها مكوّناً محورياً في
التجربة الإنسانية.
(عمّان – 6
حزيران 2008)