وأكد د. فيصل دراج في الندوة التي نظمها منتدى الفكر العربي والمعهد الملكي للدراسات الدينية بعنوان « الاختلاف في الأوجه الدينية والحضارية والايديولوجية « أن مفهوم الأيديولوجيا يثير ،في شكله السائد، موضوع الوعي الزائف في مواجهة الوعي الحقيقي، والوعي المقلوب في مواجهة الوعي السوي،مشيرا إلى أن المثال الشهير، في هذا المجال، ما جاء به ماركس في «الأيديولوجيا الألمانية» حيث يقول: «الأيديولوجيا هي السي ثمة استراتيجيات عدة ممكنة من أجل نهضة عربية ثانية، بحسب الميادين (الفكر الديني، الفلسفة، الأدب، العلوم، الفنون، التربية، الإعلام، الخ). ولكن هذه الاستراتيجيات لن يستقيم أمرها إلا على أساس شرطين: مقاومة الخوف والتبعية والانغلاق، وتعزيز ثقافة الحرية والعقل والعدل.
وأضاف أن الأيديولوجيا، من حيث هي وعي زائف،تعتقد باستقلال الفكر عن غيره جاهلة بتحديداته الخارجية، أو فاصلة الفاعلية الأيديولوجية عن العلاقات الاجتماعية. مبينا أن الوعي الأيديولوجي يصدر، عن تحرير وهمي للفكر من شروطه الاجتماعية ، و ينتهي ، لزوماً ، إلى الوهم القائل بقوة الأفكار الذاتية.
وميز دراج بين الأيديولوجي والأيديولوجي ، معتبراً أن الأيديولوجيا «تصير « على ما هي عليه، ولا تولد جاهزة. وهي في هذا تستجيب لحاجة ، أو حاجات، قبل أن يدفعها التمايز الاجتماعي إلى وضع جديد. ويرى التمييز الثاني الأيديولوجيا في وظيفها الاجتماعية، بالمعنى السياسي، حيث يتكشّف معناها في «صراعها» مع أيديولوجيات أخرى، أو في اختلافها معها، حيث يستدعي التمييز، الأول مقولات ماركسية معروفة: العمل ، الإنسان ، الحاجة، أو مقولة «البراكسسس»، التي تحيل على إنسان ينتج ذاته في إنتاج ما يحتاج إليه. ولعل عمل الإنسان على تلبية المواضيع التي يحتاجها هو ما جعل منه «كائناً يجيب» ، بلغة لوكاتش العجوز، يذهب من حاجة إلى أخرى، ويصوغ حاجاته في شكل أسئلة، تتحوّل بدورها إلى أسئلة جديدة. و»الكائن الذي يجيب» كائن عملي يتخذ من العمل، أو من «العمل المفكّر به»، أداة إلى «إقناع» الطبيعة، أو «البيئة» بتأمين مطالبه.
وأضاف أن مفهوم الحاجة، المتجددة بطبيعتها، يقترن بالممارسة الإنسانية، التي يتداخل فيها النظر والعمل، تطلعاً إلى غاية أو غايات. والواضح في هذا فعل «يصير»ذلك أن الحاجة التي «تصير» يلازمها «إنسان» يصير ، وصولاً إلى تراكم مفتوح من الحاجات المتحققة يدعى لغة : الثقافة الإنسانية.
وبين أن الأيديولوجيات تنزع ، بأشكال لا متكافئة، إلى تعيين ذاتها بأشكال ثلاثة: تخلق مقدساً خاصاً بها، دينياً كان أو دنيوياً، بدءاً من الدفاع عن رسالة إلهية، وصولاً إلى أيديولوجيا السوق والفردية والليبرالية. وترى كل أيديولوجيا وظيفتها في هزيمة غيرها، أو إخضاعها، حال العلاقة بين الأيديولوجيا الشيوعية والأيديولوجيا الاشتراكية «الإصلاحية»، في فترات متعددة من القرن العشرين. أما الشكل الثالث فهو اختراع الأنا واختراع الآخر، بما يسبغ على الأنا شرعية كاملة وينزع عن الآخر كل شرعية محتملة.
من جهته تساءل د. ناصيف نصار: كيف يحدد العرب موقعهم الحضاري في الزمن الحاضر؟ وبالتالي كيف يتعاملون مع منطق الاختلاف على مستوى المعمورة؟ مبينا أن المفهوم المعتمد للحضارة في هذا البحث هو : المفهوم الكلي الامتدادي، الذي يعتبر الحضارة كوحدة كبرى متميزة في مجرى التاريخ البشري، حيث تعيش المجتمعات البشرية مرحلة انتقال من عالم الحضارات إلى عالم الحضارة الكونية الواحدة القائمة على أربعة أركان: الرأسمالية والعلوم والتكنولوجيا (وبخاصة تكنولوجيا الاتصالات) وحقوق الإنسان.
وأضاف نصار أن التوحيد الحضاري لشعوب العالم يتعايش مع تعددها الثقافي فالثقافة (بالمعنى السوسيولوجي) تتبع منطق التعدد الوارث لتعدد الحضارات وتعيد إنتاج نفسها داخل حركة التوحيد الحضاري وليس ضده، مبينا أن التعدد الثقافي هو تعدد هويات تاريخية محكومة بجدلية التراث والحداثة. ولكنها في ظل التوحيد الحضاري محكومة أولاً بمبدأ الصراع من أجل البقاء وبقاء الثقافة المنفتحة المبدعة.
وأشار إلى أن التعدد الثقافي لا يقدم بنفسه أي ضمانة لأي ثقافة. فالقضية هي قضية صناعة وإبداع، وشرطهما الحرية وإلا ، فالجمود والتخلف والانقراض.منوها إلى أن تصادم الثقافات أمر ممكن وكذلك علاقات الهيمنة بين الثقافات، بسبب التفاوت فيما بينها. فالقضية هي قضية إدارة الاختلاف وليست قضية طبيعة حتمية والإدارة الناجحة هي الإدارة الخلاقة، وليس إدارة التسويات.
واختتم نصار بالقول:» ثمة استراتيجيات عدة ممكنة من أجل نهضة عربية ثانية، بحسب الميادين (الفكر الديني، الفلسفة، الأدب، العلوم، الفنون، التربية، الإعلام، الخ). ولكن هذه الاستراتيجيات لن يستقيم أمرها إلا على أساس شرطين: مقاومة الخوف والتبعية والانغلاق، وتعزيز ثقافة الحرية والعقل والعدل» .
وأدار الندوة مدير المعهد الملكي للدراسات الدينية د. فهمي جدعان.
الرأي - 20 حزيران 2010
